صديق الحسيني القنوجي البخاري

367

فتح البيان في مقاصد القرآن

وفي سراج الملوك اختلف السلف في هذا فقال ابن عباس حشرها موتها ، وهو تأويلها بعيد لأن الحشر الجمع ، وليس في موتها جمعها ، بل تفريقها بتمزيقها ، ومعظم المفسرين على أنها تحشر كلها حتى الذباب يقتص منها ثم يقال لها كوني ترابا . وقال بعضهم لا نقطع بإعادتها كالمجانين ومن لم تبلغه الدعوة ، وتوقف بعضهم في ذلك والدليل عليه الآية المذكورة والحديث الصحيح عن أبي هريرة « ليؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء » « 1 » وأنكرها الأشعري لأنها غير مكلفة والخبر تمثيل لشدة التقصي في الحساب . وقال الأسفراييني يقتص منها بما تفعله في الدنيا ، ورد بأنها ليست بمكلفة فهي في المشيئة يفعل بها ما أراد انتهى . أقول : قد تصل بهذا التفصيل الوقوف على الأقوال الأربعة وأدلتها ، والحق الذي تشتفي به الصدور أن لا تؤول الآية والحديث بما هو خلاف الظاهر ، والشبهة الداعية له بأنها غير عاقلة ولا مكلفة ، والحشر والحساب مبني على ذلك ، فإذا سقط الأساس سقط ما بني عليه . فالجواب عنها أن نسلم أنها غير مكلفة لأنها لا تعقل ، والنزاع فيه مكابرة إلا أنها لما كانت في المشيئة يفعل اللّه بها ما يريد ، وهو لا يسأل عما يفعل باتفاق أهل السنة بل العقلاء فنقول إن اللّه تعالى يعيدها وينصف بعضها من بعض بما فعلته بإرادتها لإدراكها للجزئيات ، وليس هذا بتكليف ولا مبنى عليه ، لأن جزاء التكليف إنما يكون في داري الخلود والنار وهي تعود ترابا قبل دخول أهليهما فيهما . وأما فعل الحكيم القدير لذلك فليعرف أهل المحشر أنه عز وجل لا يترك مثقال ذرة من العدل ، ليتحقق أهل النعيم ما لهم من النعيم المقيم وأهل الجحيم ما أعد لهم من العذاب الأليم تنويرا لهم وإرشادا لأن يعلموا عظمة كبريائه ، وتساوي جمع مخلوقاته عنده بالنسبة لذلك . ولك أن تقول قول ابن عباس حشرها موتها معناه أن حشرها لأجل أن يفنيها ويقول لها كوني ترابا ، ولولا بعد كلام الأشعري بتصريحه بما ينافيه حملنا أنه تمثيل على ما ذكر ، أو قلنا إنه إنما أنكر الوجوب ، ولكن الحق أحق أن يتبع ، وهذا مما ينبغي أن يكتب بالنور ، على صفحات خدود الحور ، وإنما ذكرنا هذا مع طوله وعدم مناسبته لموضوع التفسير تصدقا على من طالعه بجواهر الفرائد .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 61 ، والترمذي في القيامة باب 2 ، وأحمد في المسند 2 / 235 ، 301 ، 372 ، 411 .